حيدر حب الله

238

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

أجده يشكّل نوعاً من القلق - لو استمرّ وطال - على سلامة الفهم القرآني والحديثي معاً ، وهذا ما يخلق ضرورة كبيرة لإنقاذ النزعة اللغويّة والتاريخيّة في فهم كتاب الله تعالى ، وإلا فقد ندخل - بل قد دخلنا بالفعل - في مرحلة التحرّر من القواعد في تفسير القرآن الكريم ، والذهاب خلف المزاجيات التي تدغدغ عواطفنا ، وهي - أي المزاجيّات - لا مرجعيّة يحتكم إليها فيها ، ولن تقف هذه المزاجيات عند حدود مزاجك الذي تراه مضموناً ، بل ستتعدّى إلى أمزجة الآخرين التي لن تعجبك أبداً . إنّني أعتقد بأنّ الفقهاء ما زالوا إلى الآن هم الأقلّ تأويلًا للنصوص ، إذا غضضنا الطرف عن الاتجاه التفسيري اللغوي والعرفي والحركي ، والذي له أنصار كُثر ، وقدّم تجارب مشهودة خلال القرون الإسلاميّة . من هنا ، كان اهتمامي بالتفسير الترتيبي لإعادة الانضباط - قدر الإمكان ، وضمن دائرتي الصغيرة - لعمليّة فهم النصّ الديني من زاوية اللغة والتاريخ والسياقات الداخلية والخارجيّة ، وأيّ مستمع لهذه الدروس والمحاضرات المتواضعة سيرى فيها بوضوح تكريس مرجعيّة اللغة والتاريخ والفهم التفكيكي والتركيبي للنصوص القرآنية ؛ لإعطاء هويّة حقيقيّة للنصّ القرآني لا تجعله مهدوراً أمام كشوفات العرفاء والمتصوّفة ، وعقول المتكلّمين والفلاسفة ، ونصوص المحدّثين والرواة ، بل نحن نسعى لاكتشاف لغته وطريقته ومفاهيمه وأسلوبه ومزاجه العام ، بما أوتينا من سعة وما رُزقنا من الفهم البسيط ، كلّ بحسبه . إنّ مرجعيّة القرآن ليست شعاراً يُرفع ، بل هي رؤية لها ضرائبها التي على الباحث أن ينتظرها في استنتاجاته عندما يعتقد بأنّ مرجعيّة القرآن قد تمّ تغييبها